تاريخ الظل عبر تكنولوجيا الكاسيت
عرض لكتاب إعلام الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر لآندرو سايمون
في كتابه «إعلام الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر»، الصادر بالعربية، بترجمة «بدر الرفاعي» عبر دار الشروق ٢٠٢٥، ينطلق «آندرو سايمون» من المنطقة المحببة للأدب، المنطقة البينية الواقعة بين الأدب، والاجتماع، والتاريخ، إذ يُقدم الكتاب تشريحًا للتطور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع المصري خلال فترتي حكم السادات ومبارك، مستندًا على تتبع تكنولوجيا «الكاسيت».
يعتمد «سايمون» على ما أسماه «أرشيف الظل» وهو مجموعة المواد الحسيّة الموجودة خارج الأرشيف الرسمي للدولة. وهو من البدء يضع نفسه في مقابل السردية الرسمية للتاريخ. ونظرًا لعدم إتاحة الوثائق الخاصة بدولة يوليو، فإن أي دراسة لتاريخ المرحلة تتعرض لعدد من الأسئلة المُلحّة، أو، كما يعرض الكاتب، يتحول الأرشيف من مصدر للدراسات إلى موضوع للدراسات.
يعرض الكتاب في جزئه الأول سياقات الترفيه والاستهلاك التي ظهر خلالها الكاسيت في مصر بعد هوجة الانفتاح والهجرة للدول النفطية، وظهور سوق محلي في مصر، كمصنع «العربي» وكيل توشيبا اليابانية، وأشكال الإعلان عن الكاسيت عبر رياضيين وفنانين باعتباره أحد مكونات «البيت العصري الحديث».
أشار «سايمون» إلى مذكرات المفكر المصري «أحمد أمين»، والأخير يتحسر على التغيير الحاصل داخل البيت المصري قائلًا: “أصبحت الآن الإضاءة الكهربائية، والراديو، والهاتف، وأجهزة التدفئة، وأجهزة التبريد، وأنواع الأثاث المختلفة موجودة” وفي حين أنها تعزز من قيمة المنزل، إلا أنها لا تؤدي بالضرورة، في نظر «أمين» إلى تعزيز “سعادة البيت”. ويُكمل «سايمون» بحوار مع أحد مراسلي «روز اليوسف»، أن السلع «الكماليات» أصبحت «ضروريات» في ظل عهد السادات، بعد إقامة علاقة حميمية بين الأسر وثقافة الاستهلاك المتنامية.
شعرتُ هنا أن ثمة تحاملًا على معنى الاستهلاك، من «أمين»، وربما من «سايمون»، ومن قراءتي لـ «حياتي» مذكرات «أحمد أمين»، وجدتُ أنه في آخر حياته بدا ناقمًا على كل أشكال المعيشة، إذ يعترض في أحد الأجزاء على عدم إمكانية ضربه لأبنائه، بينما كان في صغره يُضرب من أبيه، والأمر عاديًا، بالطبع السياق الزمني له عامل، لكنني لم أستسِغ تلك النبرة العدائية بين المادة/ الاستهلاك، والسعادة، ورأيتُها في غير محلها، فبالرجوع إلى كتاب «٢٣ حقيقة يخفونها عنك بخصوص الرأسمالية» للكاتب «ها-جوون تشانج»، والذي للمفارقة يضع كلمة غلافه «د/ جلال أمين»، في الفصل الرابع يشرح الكاتب كيف غيرت «غسالات الملابس» وغيرها من الأجهزة الكهربائية العالم، وحجم الساعات المُوفرة بعد الاستغناء عن الغسيل اليدوي وأثرها في زيادة ساعات الراحة، والإنتاج.
غلاف كتاب «٢٣ حقيقة يخفونها عنك بخصوص الرأسمالية»، وكلمة «د/ جلال أمين»
***
يعرض «سايمون» في الفصل الثاني جانبًا من دولة القانون في مصر، عبر تتبع عمليات سرقة، وتهريب الكاسيت، وحدود القانون في التعامل مع أمور كهذه، ويبرُز هنا التعارض بين السردية الرسمية للدولة، التي تعرض نجاحًا استعراضيًا، عبر الإعلان عن القبض على عدد من سارقي الكاسيت، وكذلك جهود رجال الجمارك في التعامل مع التهريب، بينما الواقع أن عددًا أكبر من السرقات والتهريب، ظل بمنأى عن رجال الأمن، حتى ظهر سوق سوداء للكاسيت.
كان لهذا الجزء أثرًا خاصًا بي، إذ ذكرني بالكاسيت الخاص بنا في بيت أبي، وكنتُ من قبل رجعتُ إلى هذا الكاسيت أثناء كتابة روايتي الأولى «تقاطعات»، حيت تعرضتُ في جزءٍ منها للعودة من الدول النفطية، وكان هذا الكاسيت ضمن مقتنيات العودة، ولا أعرفُ تحديدًا هل تم تهريبه، أم دُفعت جماركه. ويشير «سايمون» أيضًا إلى لحظة مربكة في حياة أبي، وهي غزو صدّام للكويت، ورجوع المصريين بعدما فقدوا «تحويشة العمر» فقد كان أبي ضمن هؤلاء، ويحيل الكتاب إلى عدد من الصور الفوتوغرافية لـ «Patrick Baz» التي تُسجل عودة المصريين من الكويت والعراق إبان حرب الخليج الثانية ١٩٩٠.
صورة من بيتي لكاسيت ناشونال ياباني، وأمامها صورة لنجيب محفوظ أحد المدافعين عن عدوية، وصورة للشيخ إمام
إحدى صور باتريك باظ عن العائدين بعد حرب الخليج، وبقية الصور بالرابط
***
وثمة عودة أخرى إلى البيت القديم مع الفصلين الثالث والخامس، حيثُ يعرض «سايمون» كيف مكّن الكاسيت باعتباره وسيط مُنتِج عددًا غير مسبوق من الناس «العاديين» ليصبحوا منتجين ثقافيين، وكيف أزعج ذلك الفعل عددًا من مراقبي الثقافة الصوتية، وسُلطة ما يدعى «الثقافة الرفيعة»، فقد نزع الكاسيت مركزية إنتاج الثقافة، حتى وإن كان بما يُسمى «ابتذالًا»، والذي أصبح له دور يؤديه، أكثر من كونه منتجًا فنيًا، أو ثقافيًا.
بالطبع أشار «سايمون» إلى «أحمد عدوية» وما طاله من سبٍ باعتبار أبرز رموز الانحطاط، والذكي أن «سايمون» عاد إلى عدوية حينما نال اعترافًا شعبيًا بعد عقود من الرفض، ولكنّ ظل اعترافًا جزئيًا. فيجد «سايمون» في مكتبة ديوان، التي وضعتْ نفسها كمؤسسة للطبقة فوق المتوسطة والعليا، «نوت بوك» على هيئة شريط كاسيت لعدوية، وحين يسأل في قسم أسطوانات الموسيقى عن أغاني عدوية يأتيه الرد أن ديوان “لا تبيع هذا النوع من الموسيقى”. وكأن ما اعتبر يومًا ما هابطًا أصبح اليوم هدية رائعة. ومصادفة أخرى، أنني أملك نسخة من هذه «النوت بوك» اشتريتها من «ديوان» فرع مكتبة الإسكندرية قبل إغلاقه منذ سنوات كثيرة.
كذلك يظهر «الشيخ إمام» رفقة «نجم»، ويعرض «سايمون» قصة أغنية «نيكسون بابا» التي سردت حكاية مغايرة تمامًا عن السردية الرسمية التي بروزها السادات، والمُلفت والمُنصف أن بعد سنوات كثيرة من زيارة نيكسون، تلاشى كل ما فعله السادات تجهيزًا للزيارة من لوحات، وتعبيد للطرق، وصفوف أطفال، ولم يبقَ إلا السردية غير الرسمية، ممثلة في أغنية إمام ونجم «نيكسون بابا»، وتكرر الأمر مرّة ثانية مع زيارة «ڤاليري جيسكار ديستان» رئيس فرنسا لمصر السادات.
في الفصل الرابع يعرض سايمون سوق قرصنة الكاسيت، وعلاقات المتشابكة داخل الوسط الفني والثقافي، والتي ربما تمتد إلى وقتنا هذا مع قرصنة الأفلام والأغاني والكُتب. وفي الفصل السادس/ الأخير، يعود للحديث عن الأرشيف والأرشفة، والمساحة المتاحة لكل سردية، ويقص حكاية المُقرئ الشيخ «عنتر» الذي دخل في طريق أشبه بطريق عدوية، ولكن مع الأزهر، حيث اعتبرت قراءته غير مطابقة لأي واحدة من القراءات العشر، وكيف اختفى تسجيل رسمي لمآل الشيخ عنتر.
صورة لتسجيل للشيخ عنتر من الكاتب
***
ختامًا، الكتاب مهم، وذكي، ويعرض التاريخ بصورة غير مألوفة، كما قال «تاريخ الحواس» ويضعنا أمام السرديات البديلة، المضادة للمُدون رسميًا.






